أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

58

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

كانت السلطة قد أحدثت شيئاً فيه ، وكان الظنّ أنّها تحاول زرع متفجّرة لقتل السيّد الصدر ( رحمة الله ) إذ لم يكن يخطر ببالنا أن توجد أجهزة إلكترونيّة يمكنها أن تسترق الصوت من خلال الهاتف . وفتح الشيخ النعماني الهاتف ، فوجد فيه جهازاً زُرع في نقطة معيّنة منه ، فأخبر السيّد الصدر ( رحمة الله ) وبعض الإخوة من طلّابه فاطّلعوا عليه وشاهدوا هذا الجهاز الغريب ، وكانوا في حالة من الشكّ والريب في حقيقته هل هو متفجّرة أو شيء آخر . وعلى كلّ حال ، فقد أمر السيّد الصدر ( رحمة الله ) الشيخ النعماني بالاحتياط ، إلّا أنّ الأخير استطاع في اليوم نفسه أن يتأكّد من حقيقته حيث ثبت ومن خلال تجارب بسيطة أنّه جهاز لالتقاط الصوت ، ويتمتّع بحسّاسيّة عالية جدّاً . وبعد أن تمّ التأكّد من ذلك ، استدعى السيّد الصدر ( رحمة الله ) خاصّة طلّابه والمقرّبين منه وأطلعهم على هذا الأمر وطلب منهم الاحتياط التامّ وأن لا يتحدّثوا بشيء مهمّ إلّا إذا أشار إليهم بأن لا محذور في ذلك . وكان لهذا الجهاز فوائد كثيرة ، منها : تضليل السلطة والتعتيم عليها ، حيث كان يوضع في غرفة السيّد الصدر ( رحمة الله ) التي يعقد فيها اجتماعاته الخاصّة ، وكان يأتي عددٌ من طلّابه فيجري البحث عن مسائل أصوليّة وفقهيّة معه . وكانت السلطة تعتقد أنّ العمليّة غير مكشوفة ، حتّى أنّ ( نجم ) - أحد عناصر الأمن في النجف - استوقف الشيخ النعماني يوماً في الصحن الشريف وقال له : « إنّنا نعلم أنّ السيّد الصدر لا يكنّ عداءً للثورة وأنت أيضاً كذلك ، ولكن أحذّركم من بعض العناصر من أعضاء حزب الدعوة العميل الذين يتردّدون على بيت السيّد الصدر » . . وقال : « إنّنا نعلم بكلّ تحرّكاتكم وتصرّفاتكم » . . وكان يشير بذلك إلى هذا الجهاز . وقد عُلم من هذه القضيّة أنّ السلطات الأمنيّة قدّ وقعت تحت التضليل فعلًا . ومن أضرار هذا الجهاز أنّه لا يمكن إخبار كلّ أحد بذلك وخاصّة الزوّار والضيوف الذين يتردّدون إلى المنزل لزيارة السيّد الصدر ( رحمة الله ) ، لأنّ الزائر يفترض بيت السيّد الصدر ( رحمة الله ) المكان الآمن الذي يمكنه فيه أن ينال من السلطة ومثالبها وجرائمها بكلّ حريّة وأمان ، وكان تحذيرهم أو إخبارهم جميعاً بذلك سيؤدّي عاجلًا أم آجلًا إلى علم السلطة باكتشافهم الجهاز ، الأمر الذي لم يكن السيّد الصدر ( رحمة الله ) يرغب فيه ، فكان ( رحمة الله ) بين محذورين ، ومن هنا واجه حرجاً كبيراً ومشكلة مستعصية في كيفيّة التعامل مع الضيوف والزوّار . وبسبب هذا الحرج تمّ وبعد فترة طويلة فكّ الجهاز من الهاتف والتخلّص منه . ومن الطبيعي أن تعلم السلطة بذلك ، فقطعت الخطّ الهاتفي على أمل تكرار العمليّة نفسها ، ولمّا لم يحدث ذلك جاءوا إلى المنزل وقالوا : « إنّ في هاتفكم عطلًا شلّ عمل خطوط المنطقة » ، وطلبوا إحضار الهاتف ، فأتتهم الشهيدة بنت الهدى - وكانت هي الوحيدة المطّلعة على تلك القضية - وأعطتهم هاتفاً آخر ، فقالوا لها : « إنّ جهازاً آخر غير هذا كان عندكم ! ! » فقالت لهم : « إنّ ذلك كان عارية « 1 » وقد أخذها صاحبها وسافر إلى خارج العراق » ، فأخذوا الهاتف ونصبوا فيه جهازاً آخر ، وقد بقي هذا الجهاز حتّى

--> ( 1 ) أي أنّهم استعاروه من شخصٍ ما .